المحقق البحراني
14
الحدائق الناضرة
فصعد المنبر ، فحمد الله وأثني عليه ، ثم قال : ما بال أقوام يحرمون علي أنفسهم الطيبات ألا إني أنام باليل وأنكح وأفطر بالنهار ، فمن رغب عن سنتي فليس مني فقام هؤلاء فقالوا : يا رسول الله لقد حلفنا على ذلك فأنزل الله ( 1 ) : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . . . إلى آخر الآية " . فانظر إلى هذه الأخبار وصراحتها في دفع ما توهمه ذلك القائل من الاستدلال بالآية المذكورة وضعف مارد به الجواب المتقدم ( 2 ) ، فإنه لو كان ما ذكره ( رحمه الله ) حقا من استحباب ذلك في شرعنا كما كان في تلك الشريعة السابقة لما صدر عنه صلى الله عليه وآله هذه الانكارات العديدة في هذه الأخبار ، والنسبة إلى مخالفة سنته ، وإن ذلك من الرجال والنساء ، إنما هو من الرهبانية التي كانت سنة في الأمم السابقة ونسخت بسنته . وأما باقي تعليلاته العليلة فهي في مقابلة ما ذكرنا من الأخبار أظهر في الضعف من أن يقابل بالإنكار . ونزيده إيضاحا ، فنقول : إنه إذا ثبت من الشارع الحث على هذا الفعل والترغيب فيه ، وبيان ما فيه من الأجر والثواب والمنافع الدينية والدنيوية ، فهو من جملة المطالب الدينية المأمور بها ، بل هو من أفضلها وأشرفها لما عرفت من زجره
--> ( 1 ) سورة البقرة - آية 225 . ( 2 ) أقول : ومن ذلك ما رواه في كتاب مكارم الأخلاق ، عن الصادق عليه السلام قال : قيل لعيسى بن مريم : مالك أن تتزوج ؟ قال : ما أصنع بالتزويج ؟ قالوا : يولد لك ، قال : وما أصنع بالأولاد ، إن عاشوا فتنوا ، وإن ماتوا حزنوا . أقول : ومقتضى ما ذكره القائل المذكور ، أن ما روي في شرعنا يلزم أن يكون الحكم فيه كذلك عندنا ، فيلزم بمقتضى هذا الخبر مرجوحية التزويج في شرعنا والأخبار المستفيضة كما عرفت بخلافه ، وبالجملة فرواية ذلك أو ذكره في القرآن أعم من ذلك ، والعام لا دلالة فيه على الخاص ، والمرجع في تعيين الأمرين منه إلى السنة والأخبار ، ففي مثل هذا الموضع يحمل كلامهم عليهم السلام على مجرد الحكاية وفي بعض المواضع يحمل على العمل بذلك في شرعنا ، كما أوضحنا ذلك في المباحث المتقدمة ( منه - رحمه الله - ) .